بين الماضي والحاضر… البطولة الوطنية فقدت جزءا من روحها التنافسية

في زمنٍ مضى، كانت بطولة المغرب للكرة الحديدية تمثل عرسا وطنيا حقيقيا لهذه الرياضة، حيث كانت تجمع أفضل اللاعبين من مختلف أنحاء المملكة للتنافس في جميع التخصصات الرئيسية: الثلاثي، الثنائي والفردي. كانت تلك البطولات تقام وتخاض بحماس كبير، وكان لكل تخصص مكانته الخاصة وأبطاله الذين صنعوا المجد.

الوثائق والصور التي نشرها دريس الرغيوي، اللاعب السابق المتوج بعدة ألقاب وطنية، والذي تم اختياره عدة مرات ضمن صفوف المنتخب الوطني المغربي للمشاركة في بطولات عالمية مختلفة، والمدرب السابق في اليابان سنة 1989، أعادت إلى الأذهان حقبة ذهبية من تاريخ الكرة الحديدية الوطنية. ففي سنة 1965، نظمت بطولة المغرب في فئة الثنائي لفئتي الكبار والناشئين. وفي سنة 1970، أصبح عبد القادر ڭوماري أول مغربي يتوج بلقب البطولة الوطنية في هذا التخصص. وفي سنة 1972، حقق محمد الوافي الملقب بـ«مسكيني» إنجازا تاريخيا عندما تغلب على روبير مازوطا في نهائي بطولة المغرب للفردي، على أرض ملعب «البارك» الشهير، بنتيجة 13 مقابل 12. وفي سنة 1973، نظمت بطولتا الثنائي والفردي معا، وفي 1974 أقيمت بطولة الفردي، ثم في 1976 توج نور الدين صغير، لاعب نادي سوق أربعاء الغرب، بطلا للمغرب في الفردي، وقد اشتهر بدقته وانضباطه اللافتين.

لم تكن هذه التخصصات ثانوية أو هامشية، بل كانت في صميم عملية اكتشاف أبرز المواهب الوطنية. فالثنائي كان يبرز الانسجام التكتيكي والتقني بين لاعبين، بينما كان الفردي يعد الامتحان الحقيقي لمهارات اللاعب الفردية وقدرته على التحكم في النفس والتميز في النقطة والتسديد، مما سمح بصقل أجيال كاملة من الأبطال.

هذه التعددية في التخصصات لم تكن مجرد تقليد قديم، بل هي منصوص عليها بوضوح في النصوص الرسمية للجامعة الملكية المغربية للكرة الحديدية. فـ المادة 23 من الأنظمة العامة تحدد بدقة جميع أنواع البطولات الفدرالية التي يجب تنظيمها:

المادة 23: المنافسات الفدرالية
تتحدد مختلف المنافسات الفدرالية كما يلي:
• بطولة المغرب ثلاثيات (فئة الكبار)
• بطولة المغرب ثلاثيات (فئة السيدات)
• بطولة المغرب ثلاثيات (فئة الناشئين)
• بطولة المغرب ثنائي (فئة الكبار)
• بطولة المغرب ثنائي (فئة الناشئين)
• بطولة المغرب ثنائي (فئة السيدات)
• بطولة المغرب فردي (فئة الكبار)
• بطولة المغرب فردي (فئة الناشئين)
• بطولة المغرب فردي (فئة السيدات)
• بطولة المغرب للتسديد بالدقة (كبار – ناشئين – سيدات)
• كأس العرش ثلاثيات (كبار وسيدات)

هذا النص يثبت أن بطولات الفردي والثنائي لا تزال قائمة رسميا ضمن اللوائح، وأن اختفاءها من الممارسة العملية لم يصدر بموجب أي تعديل قانوني، بل هو خلل تنظيمي لا أكثر، وليس خيارا استراتيجيا أو إصلاحا معتمدا.

منذ سنوات، بات من الواضح أن شكل البطولة الوطنية تقلص بشكل كبير، إذ لم تعد تنظم إلا منافسات الثلاثي، بينما اختفت بطولات الفردي والثنائي من الروزنامة دون أي تبرير واضح أو بلاغ رسمي يشرح أسباب هذا التراجع. ويثير هذا الوضع العديد من التساؤلات، خاصة أن هذه التخصصات ليست هامشية؛ فالفردي يعد مقياسا حقيقيا لإبراز المواهب الفردية من حيث التركيز والدقة والذكاء التكتيكي، في حين يبرز الثنائي الانسجام التقني والاستراتيجي بين لاعبين، وغالبا ما كان يشكل فرصة للشباب للتألق إلى جانب لاعبين متمرسين. ولطالما برز كبار أبطال المغرب من خلال هذه التخصصات قبل أن يلمع نجمهم في الثلاثيات وعلى الساحة الدولية.

لماذا لم تعد البطولة الوطنية تحترم تعددية التخصصات المنصوص عليها في المادة 23؟ هل هو خيار لتبسيط البرنامج السنوي؟ أم نتيجة لعجز تنظيمي داخل الجهاز الفدرالي؟ أم لغياب رؤية رياضية واضحة لتطوير المواهب؟ أم أنها مجرد انزلاق تدريجي صامت؟ وعند مقارنة الوضع المغربي بدول أخرى مثل فرنسا وتايلاند ومدغشقر و الدول الأوروبية، نلاحظ أن جميع هذه الدول مازالت تحافظ على مختلف التخصصات، بل وتضيف أحيانا صيغا مختلطة أو تكميلية، لما لها من دور أساسي في تكوين النخبة الوطنية واختيار المنتخبات.

وفي وقت تسعى فيه الكرة الحديدية المغربية إلى استعادة مكانتها القارية والدولية، فإن إعادة إدماج جميع التخصصات المنصوص عليها في المادة 23 ينبغي أن تكون أولوية حقيقية. فإحياء بطولتي الفردي والثنائي هو عودة إلى الجذور، وتعزيز للثراء الرياضي للبطولة الوطنية، ومنح جيل جديد من المواهب فرصة حقيقية للتألق.

صور دريس رغيوي

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée. Les champs obligatoires sont indiqués avec *